السرديات
مرآة الخطيئة
الفصل الأول
نادرًا ما تتعامل الذاكرة مع الأشياء بترتيبها الصحيح؛ فهي تختار ما تشاء على نحوٍ اعتباطي، وتعيد إلينا ما قد نظنه غاب منذ زمن. فهل أخترتُ بإرادتي تلك الليلة الماطرة في مترو الأنفاق بلندن عام 2023، حين رأيت راغب نصّار، متدثرًا بمعطفه، أم أنها هي التي اختارتني؟
وها أنا أبدأ من تلك اللحظة، وفقَ ما تمليه عليَّ ذاكرتي المرهقة، غير أنّي، لو كنتُ يومئذٍ مؤمنًا بوجود مصادفاتٍ حقيقية، لآمنتُ أيضًا بأنّ يدًا خفيّة دفعتني إلى تلك المقصورة الضيّقة في المترو، وأشارت إليَّ أن أجلس قربه. وسمعتُ همسًا: «حدّثه… لم ينتبه لك بعد»
ولِمَ كنتُ لأحدّثه أصلًا؟ بعد كل هذه السنوات، لم يكن بيننا سوى نفورٍ غامض يقترب من الكراهية. فقد كرهتُه، وكرهتُ معه حبيبتي طيف كذلك. كما لا بدّ أنّه كره زوجته سعاد مرّاتٍ عديدة، وذاك الآخر المجهول الذي كنّا، في تلك الأيام، نتهرّب من مواجهته.
إذن، لا أظنّها قصة حبّ. وإن قلتُ في حقّ راغب أو طيف ما يُشبه الإنصاف، فذاك؛ لأنّي، يوما ما تعلّمتُ منه أن الكتابة لا تتغذى بالعواطف، ولا تحتمل الكذب؛ لذا أفضّل قرب الحقيقة على قرب الكراهية.
كان غريبًا أن أرى راغب في تلك الليلة، فقد كان نادر السفر، وكان أو- هكذا ظننت- لم يتجاوز ماضيه. أمّا أنا، فلطالما بدا لي التجوال كذكرى في غير زمانها ولا مكانها، فحين يكون المرء وحيدًا، يؤثر القلقَ على الدَّعة.
كانت المقصورة الصغيرة المزدحمة تعجّ بالغرباء، والمطر يتقاطر من تحت طيّات معاطفهم. كان في وسعي أن أتوارى عنه بسهولة، فقد كان غارقًا في كتابه، ولو أدرتُ له ظهري لما رآني، بل كان يكفي أن أزيح قدمي خطوتين إلى المقعد خلفه لأتجنّبه تمامًا، لكن شعورًا غريبًا ألحّ عليّ لمعرفة سبب وجوده هنا.
جلستُ إلى جواره، فتبادلنا سلامًا باردًا، ثم قلت له:
- «راغب نصّار، لقد صرتَ غريبًا عني… في مكانٍ غريب.»
رأيتُ عينيه تومضان بقايا ارتياح، كأنّنا صديقان قديمان التقيا بعد طول فراق.
قال بنبرةٍ غير متوقعة:
- «بدر الساري!»
وكان غريبًا أن منه تصدر تلك المودّة.
قلتُ مستغربًا:
- «ما الذي جاء بك إلى هنا، في هذا المطر؟»
أجابني بلهجةٍ مراوغة:
- «أتيت أبحث عن علاج».
وما إن نزلنا في محطّته، حتى هبّت ريحٌ مفاجئة وهطل المطر بغتةً، فرأيته يمدّ يده في اللحظة الأخيرة ليمسك قبعته قبل أن تختطفها الريح إلى قضبان المترو.
قلتُ، كأنني أحدث نفسي بصوتٍ يسمعه:
- «يا ترى… أين هي طيف الآن؟»
كان الصمت في شأنها سيبدو نفاقًا.
قال ببرود متكلف، كأنه يضع فاصلاً بيننا وبين الماضي:
- «ربما في مكانٍ أفضل، أو أسوأ… لا أحد يعرف.»
ومع ذلك، كان في داخلي شيءٌ غامضٌ سيفرح لو سمع أنّها مريضة، أو ماتت.
كنتُ أتوهّم يومها أنّ أيَّ ألمٍ يصيبها يُخفّف من ألمي.
قلتُ:
- «كوب قهوة، قبل موعد قطاري؟»
خطا إلى جانبي، يتوكأ على عصاه. قال وهو يبتسم ابتسامةً لا أعرف مغزاها.
قال راغب:
- «لا بدّ أنّه أكثر من عشرة أعوام.»
فأجبته:
- «أبريل عام 2013، بعد اختفاء طيف… غريبة أنك لا تتذكّر.
قال مندهشًا:
- «حقًّا؟ كلّ هذه المدّة؟»
قلت في نفسي:
- «يا للمراوغة المريبة… كيف لم يشعر ببطء الأعوام ووطأتها؟»
جلسنا إلى طاولةٍ صغيرة، نشرب القهوة في صمت؛ فلم يكن بيننا ما يُقال أصلًا.
لم أُجبه. كان صوته يأتي من زمنٍ آخر، زمنٍ انطفأتُ فيه؛ زمن الحكاية التي ظلّ راغب يخفيها عن الجميع. وكانت نظراته كافية لتعيدني إلى تلك الأمسية الأخيرة… إلى تلك القاعة الصغيرة حين رأيت فيها طيف أول مرة.