المقالات

كتابة الذات في ظل الآخر

                                      حمد البليهد

    ماذا يحدث حين نكتب عن كاتبٍ أحببناه طويلاً؟

    هل نكتب عنه فعلًا، أم نكتب أنفسنا من خلاله دون أن نشعر؟

    هذا السؤال، الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، يفتح مجالًا معقّدًا تتداخل فيه الرغبة في الفهم مع الحاجة إلى الاعتراف. فالكتابة عن الآخر كثيرًا ما تكون مرآة للذات؛ نرى فيها ما نحاول حجبه، بقدر ما نريد توضيحه.

     تاريخيًا، وُلدت السيرة الغيرية لتوثيق حياة الآخرين والاعتراف بفضلهم. لكن مع تطور الخطاب النقدي في القرن العشرين، تحوّلت إلى فضاء تتقاطع فيه الذاكرة والهُوية، ويختلط فيه الإعجاب بحس الاغتراب. ومع هذا التحوّل تغيّر دور الكاتب نفسه، لم يعد مراقبًا محايدًا، بل مشاركًا يكتشف ذاته في أثناء مقاربته للآخر. كما يشير بول ريكور في حديثه عن السرد والهُوية، فإن كل حكاية عن الآخر هي بطريقة ما إعادة سردٍ للذات. وهذا يعني أن معرفة الآخر لا تنفصل عن كشف ما هو كامن فينا.

     هذه الكتابة تنطلق من ميلٍ مزدوج: عاطفيٍّ نحو من نكتب عنه، وفكريٍّ نحو أنفسنا ونحن نعيد تشكيل صورته. إنها كتابة تنشأ من التوتر بين الاقتراب والمسافة، لا من الرغبة في الحياد. في هذا النمط من السرد، يصبح الآخر وسيلة لاكتشاف الذات، ويتحوّل حضور الكاتب إلى عنصرٍ لا ينفصل عن موضوعه. فالكتابة الصادقة لا تزعم الحياد، إنما تعترف بترددها بوصفه طريقًا إلى الحقيقة.

     في تجربتي مع كتاب «الروح الخريفية: نجيب المانع على حافة الوجود»، بدا لي أن الكتابة عن الآخر لا يمكن أن تكون موضوعية خالصة. كانت محاولة الاقتراب من المانع اقترابًا من منطقة خفيّة في ذاتي، فكل محاولة للاقتراب من المانع كانت تدفعني إلى مواجهة أسئلة مؤجلة عن ذاتي وعن علاقتي بالكتابة نفسها. لم أكن أدوّن سيرة كاتبٍ أحببته فحسب، إنما كنت أجرّب الكتابة بوصفها اعترافًا خافتًا، واختبارًا لحدود الذاكرة والحنين والفقد.

    يقدّم جيف داير في كتاب «من فرط الغضب» (Out of Sheer Rage) مثالًا لافتًا: بدأ بحثه عن لورنس، لكنه انتهى إلى نصٍّ عن عجزه وقلقه من الكتابة نفسها. لم يكن الكتاب عن لورنس بقدر ما كان عن التجربة الإنسانية للشلل الإبداعي. وعند إدوارد سعيد، يتحوّل جوزيف كونراد إلى رمزٍ للاغتراب الثقافي واللغوي الذي عاشه سعيد نفسه كمثقف منقسم بين لغتين وثقافتين.

      وفي كتابها «امرأة» (Une femme)، تكتب آني إرنو عن أمها لتفكك عبرها تاريخها الطبقي والعاطفي، لا لتقدّم سيرة تقليدية. كذلك يفعل واسيني الأعرج في «مي ليالي إيزيس كوبيا»، حين يجعل من مي زيادة قناعًا لذاته المنفية، وعلاء الديب في «وقفة قبل المنحدر»، إذ يستحضر يوسف إدريس ليرثي جيله بأكمله. في كل هذه النماذج، تتحوّل الكتابة عن الآخر إلى مواجهة مع الذات.

    ويقدّم ماهر البطوطي في كتابه الجيل الرائع نموذجًا واضحًا لتداخل الذات بالآخر، فهو لا يكتب سيرة جيل الستينيات بوصفها مادة تاريخية محايدة، بل يستعيدها عبر ذاكرته هو، وعبر علاقاته الفنية والشخصية بأفراد ذلك الجيل. وعلى الرغم من أن الكتاب ينتمي إلى جنس السيرة الجيلية، يعترف المؤلف منذ البداية بأن الوقائع والشخصيات تمتزج بالذاكرة والخيال. وهذا الامتزاج يجعل التمييز بين ما هو موثق وما هو منظور ذاتي أمرًا صعبًا. وهكذا يتحوّل الجيل الذي يتحدث عنه إلى مرآة تكشف رؤيته للعصر وحدود تجربته الشخصية. هنا يصبح الكتاب مثالًا إضافيًا على أن السيرة الغيرية لا تُكتب بعيدًا عن الذات، إنما تُكتب من داخلها، وبها تتجلى أكثر مما يتجلّى الآخر.

   وبعد هذه النماذج التي تكشف تداخل الذات بالآخر في سياقات سردية وتجريبية متعددة، يمكن التوقّف عند اتجاهٍ حديث يقدّم مقاربة مختلفة لتمثّل الذات، تُعرَف بـ «الكتابة الذاتية عبر النظرية»،(autotheory) ، وهي اتجاه يُصاغ فيه حضور الذات من خلال مفاهيم فلسفية أو تأملات فكرية، بحيث تصبح النظرية وسيطًا تُرى الذات عبره، لا الأشخاص ولا العلاقات.   

      غير أن هذا المسار يختلف جوهريًا عن موضوعنا هنا؛ فالذات في هذا النص لا تتشكّل داخل إطار مفهومي تجريدي، إنما في تماسّها الحميم مع شخص آخر. إنّ الآخر هنا ليس أداة تفسيرية، بل مرآة وجدانية وسردية يتكشّف الكاتب عبرها بقدر ما يقترب من صورته المتخيَّلة أو المستعادة عن ذلك الآخر.

    وما يعنينا هنا هو الكتابة في ظلّ الآخر تحديدًا؛ هذا المسار بعينه هو الذي يطرح سؤالًا أخلاقيًا: ما الذي يبيح للكاتب أن يتحدّث باسم غيره؟ فهو هنا يكتب في هامش دقيق من الالتباس، وقد يتحوّل الإعجاب، من دون قصد، إلى نوع من الاستحواذ، أو يتحوّل القرب إلى خيانة. وتكمن قيمة هذه الكتابة في جرأتها على خوض هذا التوتر، لأنها تبحث عن الصدق لا عن الطمأنينة.

      في زمنٍ تتجه فيه الكتابة إلى التبسيط وتغليف الذات بخطابات النجاة السريعة، تأتي الكتابة في ظلّ الآخر لتستعيد جوهر الفعل الكتابي بوصفه كشفًا ومساءلة. أن تكتب عن الآخر يعني أن تكتشف حدودك، وأن تعترف بأن الفهم لا يتحقق إلا داخل علاقة، لأن الذات لا تتكوّن في العزلة، بل في تماسّها المستمر مع الذين نحبّهم ونختلف معهم.

 طائر التمّ: كتابة النجاة الهادئة
قراءة في كتاب فهمي جدعان “حكايات جنى الخطا والأيام

                                                  حمد البليهد

     في كتابه الأخير “في طائر التمّ: حكايات جنى الخطا والأيام”، لا يكتب فهمي جدعان سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، ولا يقدم أطروحة فكرية مكتملة. هو يخطّ تأملًا وجدانيًا فلسفيًا، يعيد فيه النظر في معاني الكينونة والزمن والخذلان، ويطرح الموقف الأخلاقي خارج منطق التسويغ أو الادعاء.

    هذا الكتاب يقترب من “أغنية التمّ” الأخيرة، شهادة متزنة لمفكر انسحب بهدوء من ضجيج الساحة دون أن ينهزم داخليًا. يمكن النظر إلى النص على أنه “قصيدة العمر”، لا تطمح إلى المجد، بل تتساءل بهدوء: كيف نحافظ على الصدق حين تتآكل الشعارات وتغدو القيم خيارًا فرديًا لا التزامًا جماعيًا؟

    اختيار العنوان، طائر التمّ، بما يحيل إليه من رمز للنهاية الهادئة، يثير مفارقة رمزية لافتة؛ إذ ينسبه المؤلف إلى بودلير، في حين أن الطائر الذي يظهر في قصيدة بودلير المعروفة بـL’Albatros هو “القطرس”، لا “طائر التمّ”.

     جدعان لا يكتب سيرة اعتراف، إنما يوثّق انتقاله من “المثقف المنخرط” إلى “المتأمل المستقل”. لا يستعرض إنجازاته، ولا يلوّح بالمظلومية. يراجع مساره بهدوء: من النخب المعزولة إلى الأنظمة المغلقة مرورًا بالحركات الدينية واليسار المأزوم. يظل وفيًا لقناعة واحدة: أن الأخلاق تنبع من الفكرة، لا تُفرض عليها.

     في القسم الثاني من الكتاب، يفتح “دفاتر الجيل”، جيل النهضة الذي خرج مثقلًا بالخسائر. يقرأ الماضي بوعي صارم، وينتقد اختزال الأخلاق في المظهر، واستلاب القيم باسم القداسة، ويذكّر بأن الاستلاب الأخطر يبدأ حين تتحول النخبة من كونها صوت مساءلة إلى أداة تسويغ. في هذا السياق، يُفهم الاستقلال بوصفه رفضًا صامتًا لكل ما هو مبتذل وسائد.

     يتجاوز نقد جدعان الجيل إلى اليومي والمعيشي. يكتب جدعان عن الجامعة، والمجتمع، واللغة، بوصفها فضاءات لاختبار أخلاقي. يقول: “أنا لم أكن صاحب مشروع”، رافضًا الدخول في سباق الشعارات أو الانخداع بوهم الإنجاز. ما يحرص عليه هو الحفاظ على صوت حرّ، لا يستنسخ تراثًا، ولا يلهث خلف حداثة زائفة.

    هذا الصوت لا يطلب التصفيق، ولا يعلن بيانًا. إنه يبحث عن النجاة الهادئة: أن تظل وفيًا لما آمنت به، لا لما رُوّج لك.


ومن هنا تتكرر في النص ثلاثية جدعان: النزاهة، والكرامة، والعفة، بوصفها مبادئ داخلية تحفظ تماسك الذات.

     الكتاب تجربة فريدة، لا تنتمي إلى نمط السيرة الذاتية الخالصة، ولا إلى التنظير الأكاديمي الصرف. إنه نص سردي تأملي يجمع بين الحكي والتفكير. ومع ذلك، لا يخلو من التحدي: اللغة التي كُتب بها مكثفة، مشبعة بالإحالات والمفاهيم، ما يجعله نصًا موجهًا لقارئ متمرس. حتى اللحظات الوجدانية تمر عبر عدسة تحليلية تتطلب تأملًا دقيقًا. من هو القارئ المفترض إذن: الباحث عن سيرة ذاتية؟ أم المتتبع للفكرة وهي تتشكل ضمن بناء سردي؟

في القسم الأخير، تتضح ملامح موقف جدعان من التراث والحداثة. لا يرى في أيّ منهما خلاصًا، فالأول يدور في حلقة التكرار، والثاني تحوّل إلى منظومة تستهلك الإنسان. يرفض شكلين من التطرّف: تديّنًا مؤدلجًا يصادر الوعي، وفردانية استهلاكية تنزع الأخلاق عن الحرية. وفي هذا المأزق، يتمسك بفكرة “الفكر الحرّ” لا بوصفها بديلًا سلطويًا، وإنما استجابة نزيهة لصوت داخلي لا يسعى إلى التسويغ.

    وهكذا، يمنحنا جدعان درسًا أخيرًا: الحرية لا تحتاج إلى تبرير حين تُعاش بصدق، والفكر الأصيل لا ينتظر التصفيق، لأنه يترك أثره بصمت بلا ادعاء.